مسائل تتعلق بالاجتهاد

مسائل تتعلق بالاجتهاد

 

تتغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد وقد وقع بسبب الجهل بهذا المبدأ الشرعي غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل

المجتهد مأجور

المجتهد مأجور، إن أصاب فله أجران: أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الصواب، وإن أخطأ فله أجر واحد على اجتهاده، ، فمن توافرت فيه أهلية النظر في الأدلة الشرعية واجتهد حتى وصل إلى الحكم الذي أداه إليه اجتهاده، و هوحكم الله حسب ظنه الراجح، والظن الراجح ، كاف في وجوب العمل. ولا يجب على غيره أن يقلده في العمل بما وصل إليه اجتهاده، لأن قول أي إنسان بعد الرسول المعصوم ليس حجة واجباً أتباعه على أي مسلم، وإنما يجوز للعامة الذين ليست لهم ملكة الاجتهاد واستثمار الأحكام من نصوصها، أن يتبعوا المجتهدين ويقلدهم مصداق قوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾[الأنبياء:7] أما إن لم يكن أهلا للاجتهاد فاجتهد لاستنباط الحكم الشرعي فهومأزور على فعله و لو أصاب

الاجتهاد لا يتجزأ

إذا كان المراد يلفظ " الاجتهاد لا يتجزأ" أن أهلية الاجتهاد لا تقبل التجزؤ فهذا صحيح  بمعنى أنه لا يتصور أن يكون العالم مجتهداً في أحكام من الشرع كالطلاق وغير مجتهد في أحكام أخرى كالبيع، أو مجتهد في أحكام العقوبات، وغير مجتهد في أحكام العبادات، لأن الاجتهاد أهلية وملكة يقتدر بها المجتهد على فهم النصوص واستثمار الأحكام الشرعية منها، واستنباط الحكم فيما لا نص فيه. فمن توافرت فيه شروط الاجتهاد وتكونت له هذه الملكة اجتهد في أي باب من أبواب الفقه و مسائله ولا تخص باباً دون باب أو مسألة دون مسألة،

أما إن كان المراد بالاجتهاد لا يتجزأ أن المجتهد لا يصوغ له الآجتهاد في باب من أبواب الفقه أو في مسألة من مسائله حتى يكون ملما بجميع احكام الفقه فإن الأصوليين على  قولين:

المجيزون لتجزؤ الاجتهاد
ذهيوا إلى أن من استأهل للاجتهاد في باب يجوز له الاجتهاد فيه، ولو لم يكن أهلاً للاجتهاد في غيره، و يستدلون لمذهبهم بدليلين:‏
الدليل الأول: أنه قد تتاح للعالم فرصة للعناية ببعض أبواب الفقه، والإحاطة بمآخذ أحكامه، ومعرفة عللها، فيتحقق له مناط الاجتهاد فيه، ومتى تحقق مناط الاجتهاد في باب جاز الاجتهاد فيه.‏
الدليل الثاني: أنه لو لم يتجزأ الاجتهاد، للزم أن يكون كل مجتهد عالماً بجواب كل سؤال عن أية واقعة، مع أن كثيراً من المجتهدين سئلوا عن وقائع عدة فقالوا في بعضها لا ندري، وقد روي عن الإمام مالك رضي الله عنه أنه سئل عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع منها، وقال في الست والثلاثين الباقية: لا أدري.‏

القائلون بعدم تجزؤ الاجتهاد ( الاجتهاد لا يتجزأ)
وذهبت طائفة من الأصوليين إلى أن من استأهل للاجتهاد في باب لا يجوز له الاجتهاد فيه، إلا أن يستأهل له في جميع أبواب الفقه،و أن الرجل لا يقال له مجتهـد حتى يستجمع أدلة الفقه بأسرها ،  و يبنون مذهبهم هذا أدلة أظهرها دليلان:‏
الدليل الأول: أن الاجتهاد ملكة راسخة في نفس المجتهد، يقتدر بها على استنباط الأحكام، للوقائع التي تعرض له، أو يستفتى فيها، وهذه الملكة إنما تحصل له من الإحاطة بأدلة الأحكام، ومآخذها، وعللها، فمن تهيأت له هذه الملكة يستطيع الاجتهاد في كل باب، ومن لم تتهيأ له لم يستطع الاجتهاد في شيء من  أحابوا  على قول بعض المجتهدين لا ندري في بعض ما سئلوا عنه، بعض المسائل تتجاذبها وجهات نظر مختلفة، فلا تمكن الفتوى بشيء منها إلا بعد بحثها وتكوين رأي فيها.‏

الدليل الثاني: أن أدلة الأحكام الشرعية في أبواب الفقه المختلفة هي كتلة واحدة متماسكة، يفسر بعضها بعضاً، ويخصص بعضها بعضاً، فلا بد من الإحاطة بها جميعاً، وربما اهتدى العالم إلى حكم في البيع بمآخذ حكم آخر في الإجارة، أو الوصية، أو الهبة.‏
أو كما يقول الشوكاني: (المسألة في فرع من الفقه ربما كان أصلها في فرع آخر منه، فلا يمكن أن يعد الإنسان قد توافرت فيه وسائل الاجتهاد إذا أحاط بأدلة باب، ومآخذ أحكامه، دون بقية الأبواب).‏

الترجيح

أهلية الاجتهاد  لا تقبل التجزؤ أما الاجتهاد بالفعل فيقبله،  و بهذا يكون الراجح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من تجزؤ الاجتهاد، وأن ذلك يشبه في العصر الحاضر ما يعرف بالتخصص الدقيق،و هوما رجحه الدكتور إبراهيم محمد سلقيني: عميد كلية الشريعة- في جامعة دمشق.‏
قال:
والحق –فيما أرى والله أعلم- أن أهلية الاجتهاد لا تقبل التجزؤ، أما الاجتهاد بالفعل فيقبله، ذلك لأن أهلية الاجتهاد ملكة تقتضي في المتصف بها أن يكون محيطاً بجميع آيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، وفتاوى المجتهدين ومأخذ كل حكم شرعي، وعلته، أما الاجتهاد بالفعل فإنه يتجزأ، بمعنى أن العالم الذي أحاط بالأحكام وأدلتها في جميع أبواب الفقه، وتحققت له ملكته يجوز له أن يتخصص في الاجتهاد في باب أو أكثر دون سائر الأبواب، لأن تخصصه لا يعني أكثر من أن يستثمر ملكته الاجتهادية في بعض أبواب الفقه، دون بعضها الآخر. وهذا لا شيء فيه.‏
___________________
 

الاجتهاد لا ينقض بمثله

فلو مجتهد في واقعة وحكم فيها بالحكم الذي أداه إليه اجتهاده، ثم عرضت عليه صورة من هذه الواقعة فأداه اجتهاده إلى حكم آخر، فإنه لا يجوز له نقض حكمه السابق، كما لا يجوز لمجتهد آخر خالف في اجتهاده أن ينقض حكمه، لأنه ليس الاجتهاد الثاني بأرجح من الأول، ولا اجتهاد أحد المجتهدين أحق أن يتبع من اجتهاد الآخر، لأن نقض الاجتهاد بالاجتهاد يؤدي إلى أن لا يستقر حكم وإلى أن لا تكون للشئ المحكوم به قوة، وفي هذا مشقة وحرج.

وقد ورد أن عمر بن الخطاب قضى في حادثة بقضاء، ثم تغير اجتهاده فلم ينقض ما قضى به أولاً، بل قضى في مثل هذه الحادثة بالحكم الآخر الذي أداه غليه اجتهاده الثاني، وقال: ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي. وقد قضى أبو بكر في مسائل وخالفه بعده عمر فيها ولم ينقض حكمه، وعلى هذا المعنى ينبغي أن يفهم قول عمر بن الخطاب في عهده لبي موسى الأشعري حين ولاه القضاء: ((لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل)).

 

تغير الفتوى بتغير الزمان أو المكان

ومن ذلك: سقوط حد السرقة
فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اسقط القطع في حد السرقة أيام المجاعة وعليه إذا حملت شخصا ما الحاجة على السرقة والناس في مجاعة وشدة. فلا تقطع يده حدا. فهنا تغيرت الفتوى من القطع إلى عدمه لتغير أحوال الناس و عموم البلوى بالمجاعة بينهم.

ومن ذلك جعل صدقة الفطر حسب قوت المخرجين
النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط وهذه كانت غالب أقواتهم بالمدينة فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من قوتهم كمن قوتهم الذرة أو الأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب فإن كان قوتهم من غير الحبوب كاللبن واللحم والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنا ما كان هذا قول جمهور العلماء وهو الصواب الذي لا يقال بغيره إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد ومواساتهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم وعلى هذا فيجزئ إخراج الدقيق وان لم يصح فيه الحديث

 ومن ذلك حكم جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد

 المطلق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن خليفته أبي بكر وصدرا من خلافة عمر كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد جعلت واحدة كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس فروى مسلم في صحيحه عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: "كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضناه عليهم" فتغيرت الفتوى هما بتغير زمان الناس و أحوالهم و مرادهم بلفظ تكرار الطلاق . فهذه المسألة مما تغيرت الفتوى بها بحسب الأزمنة فالصحابة رأوا أنه من المصلحة لأنهم رأوا مفسدة تتابع الناس في إيقاع الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع . و تغير الحال اليوم فيرى الكثير من العلماء أن المصلة اليوم تقتضي الرجوع إلى اعتبار الطلاق الثلاث طلقة واحدة وهو ما أخذت به مدونة الأسرة المغربية خلافا ما عليه جمهور الأئمة الأربعة.

 ومن ذلك موجبات الأيمان والأقارير والنذور

المثال الثامن مما تتغير به الفتوى لتغير العرف والعادة موجبات الأيمان والإقرار والنذور وغيرها فمن ذلك ان الحالف اذا حلف لا ركبت دابة وكان في بلد عرفهم في لفظ الدابة الحمار خاصة اختصت يمينه به ولا يحنث بركوب الفرس ولا الجمل وإن كان عرفهم في لفظ الدابة الفرس خاصة حملت يمينه عليها دون الحمار وكذلك إن كان الحالف ممن عادته ركوب نوع خاص من الدواب كالأمراء ومن جرى مجراهم حملت يمينه على ما اعتاده من ركوب الدواب فيفتي في كل بلد بحسب عرف أهله ويفتي كل احد بحسب عادته وكذلك إذا حلف لا أكلت رأسا في بلد عادتهم أكل رؤوس الضأن خاصة لم يحنث بأكل رؤوس الطير والسمك ونحوها

ضرورة الاجتهاد في العصر الحديث

عرف العصر الحديث تحولات و مستجدات كبرى في مختلف مجالات الحياة: في الأنفس, و الآفاق: اقتصاديا,و اجتماعيا ,و سياسيا ,و ثقافيا ,و معرفيا, وطبيا,و تقنية ,و عادات, و أعرافا, و عوائد. مما نتج عنها كثير من القضايا الفقهية المتشابكة و المتشعبة التي تحتاج لحلول فقهية خاصة  وهذا يقتضي ضرورة الاجتهاد في العصر الحديث لبيان الحكم الشرعي فيها و التكييف الفقهي الصحيح  لها مع ضرورة أن يكون ذلك كله مستلهما من مقاصد الشريعة الإسلامية مراعيا ضوابط الاجتهاد المنصوص عليها شرعا و المستنبطة أصوليا سواء كان الاجتهاد فرديا أو جماعيا كالمجامع الفقهية الرسمية و الأهلية المستقلة, و سواء كان الاجتهاد ترجيحا أو إنشاء .

من ذلك الاجتهادات المستجدة كعقد المرابحة والإيجار المفضي إلى التملك و تلقيح البويضة خارج الرحم و الاستنساخ النباتي و  الحيواني و البشري لأغراض طبية. و قضايا الشورى و الديمقراطية . و الولاء للإسلام و الدولة القطرية و الجنسية و المواثيق الدولية حربا و سلما و غيرها من المستجدات كثير.  .‏